نص كانط: من أجل سلام
دائم
لا يجوز لدولة في حربها مع دولة أخرى أن تسمح للقتال أن
يتخذ شكلا من شأنه أن يحول دون تبادل الثقة عند عودة السلام. مثال ذلك: استخدام
السفاحين/ وداسي السموم، وانتهاك شروط الاستسلام، والحض على الخيانة في الدولة
التي تحاربها (...)
ولابد أن تبقى الثقة في نفس العدو حتى أثناء الحرب، وإلا
ما كان السلام ممكنا، ولتحول القتال إلى حرب إبادة؛ بينما ليست الحرب إلا الوسيلة
البائسة التي يضطر الناس للجوء إليها في حالة الطبيعة للدفاع عن حقوقهم بالقوة
[حيث لا توجد أية محكمة يمكنها أن تحكم بقوة القانون]. وهنالك لا يمكن اعتبار أي
من الطرفين عدوا ظالما [ لأن ذلك يفترض حكما قضائيا] ونتيجة القتال وحدها هي التي
تقرر في أي جانب يقوم الحق.
ولا يمكن تصور حرب تأديبية بين الدول [لأنه لا يوجد
بينهما علاقة رئيس بمرؤوس]، وينتج عن هذا أن حرب الإبادة التي يمكن أن تؤدي إلى
تدمير الطرفين، ومعهما كل نوع من الحقوق، لن تدع مجالا للسلام الدائم، إلا في
المقبرة الكبرى للجنس البشري. ولهذا يجب إذن أن نمنع مثل هذه الحرب منعا باتا،
وبالتالي منع استعمال الوسائل التي تؤدي إليها
صاحب النص :
إمانويل كانط فيلسوف الماني
ولد سنة 1724م وتوفي سنة 1804م، يعتبر زعيما للفلسفة العقلانية
النقدية اهتم بالقضايا المعرفية و الاخلاقية ووضع العقل موضع التساؤل وابراز حدود
امكانيته ، كما حاول التوفيق بين العقل
والتجربة في بناء المعرفة الإنسانية، من مؤلفاته: «نقد العقل الخالص» , «نقد
العقل العملي» و «نقد ملكة الحكم»
مفاهيم النص :
السلام
: هو حال من التعايش
والتسامح والوئام بين الدول والجماعات حيث تغيب مظاهر العنف والصراع وتحل محلها
مظاهر الوفاق
الحرب : حالة العداء و الصراع والقتال المسلح بين بين الدول
والجماعات واستعمال كل وسائل التخريب والدمار والقتل،و يمكن التمييز بين نوعين من
الحرب :
حرب إبادة وتكون بهدف التصفية العرقية لجنس معين أو جماعة أو
ديانة بشكل تام (إبادة الهنود الحمر)
حرب تأديبية وهي التي تقوم بها دولة قوية ضد دولة ضعيفة بهدف تحقيق
مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية... (حرب أمريكا ضد العراق)
القـيم: كل القواعد والأخلاق والمبادئ الاجتماعية والدينية
والإنسانية التي يتواضع عليها الأفراد (المجتمع)، ويحرصون على صونها وتمريرها إلى
كل فرد يدخل هذا المجتمع.
إشكالية النص
ما الوسائل التي تؤدي إلى فقدان الثقة بين
الدول ؟ ما شروط تحقيق السلام الدائم بين الدول ؟ كيف دافع كانط عن السلام ؟
أطروحة النص
يدافع كانط عن السلام وينبذ الحرب بكل انواعها سواء كانت حرب ابادة أو تأديبية،
كما يدعو الى عدم استخدام الوسائل الغير اخلاقية اثناء الحرب لأنها تؤدي الى فقدان الثقة و انعدام السلام في المستقبل.
البنية الحجاجية :
أسلوب النهي : (يجوز) دعوة كانط إلى ضرورة تجنب كل
الوسائل التي تؤدي إلى فقدان الثقة بين الدول أثناء الحرب.
أسلوب المثال : (مثال ذلك) إعطاء كانط بعض الأمثلة
للوسائل التي تؤدي إلى فقدان الثقة بين الدول المتحاربة مثل استخدام السفاحين
والحض على الخيانة وانتهاك شروط الاستسلام.
أسلوب التوكيد : (ولا بد) تأكيد كانط على ضرورة بقاء
الثقة لأن فقدانها سيحول القتال إلى حرب إبادة وسيمنع السلام مستقبلا
أسلوب التعريف : (الحرب ليست إلا الوسيلة البائسة) تعريف
صاحب النص للحرب باعتبارها وسيلة بائسة يستعملها الناس في حالة الطبيعة
"الحياة البدائية" للدفاع عن أنفسهم بالقوة.
أسلوب التعليل : (حيث لا توجد محكمة) يفسر كانط سبب لجوء
الناس للقوة للدفاع عن أنفسهم، حيث يرجع ذلك لغياب المحاكم والقوانين.
أسلوب النفي : (لا يمكن) رفض كانط للحرب التأديبية لأنه
لا توجد علاقة رئيس بمرؤوس بين الدول، كما رفض حرب الإبادة لأنه تؤدي إلى تدمير
الطرفين وضياع الحقوق وتمنع السلام في المستقبل.
أسلوب الاستنتاج : (لهذا يجب إذن) خروج كان استنتاج يدعو
من خلاله إلى تجنب الحرب بكل أنواعها لما لها من نتائج وخيمة على الجنس البشري.
استنتاج :
نستنتج من خلال ما سبق أن كانط يدافع عن السلم والتعايش والتسامح ويرفض
الحرب بكل أنواعها نظرا لما تخلفه من دمار وتأثيرات سلبية على الإنسان، مؤكدا أن
الحرب لا تصلح إلا للأقوام الهمجية البدائية التي عاشت في حالة الطبيعة وأنها
تناسب الإنسان العاقل والمتحضر، وبهذا فهو يعكس موقف الفلسفة من القيم الإنسانية
التي تدافع عن القيم الإيجابية كالسلام والتعايش والمساواة والحرية، وترفض كل ما
يهدد هذه القيم الحرب والعنف والظلم والتعصب.
خلاصة المحور :
يتبين من خلال المحور الرابع أن التفكير
الفلسفي يتميز بعدة خصائص جوهرية، ذلك أن الفلسفة تفكير عقلاني منطقي ومنظم
ومتماسك، حيث يعتمد الفيلسوف في بناء خطابه على إبداع مفاهيم جديدة حتى يستطيع من
خلالها التعبير عن أفكاره بشكل دقيق وواضح، كما تقوم الفلسفة أيضا على البرهنة
والحجاج واستخدام العديد من العمليات العقلية والتقنيات كالاستنباط والاستدلال
والمقارنة والنقد...، وذلك بهدف إنتاج خطاب فلسفي مقنع ومتكامل، دون أن ننسى أن
الفلسفة كانت ولازالت تدافع عن القيم الإنسانية النبيلة كالعدالة المساواة والحرية
والسلام.

تعليقات
إرسال تعليق