المحور الأول : غاية الدولة ومشروعيتها
مدخل إشكالي :
عندما نتحدث عن المشروعية فنحن نعني بذلك مجموع الأسباب
والمبررات التي تجعل المواطنين يقبلون
ويخضعون للسلطة
الممارسة عليهم من طرف الدولة، أما الغاية فهي المقصد
أو الهدف من وجود الدولة (الأمن / الحرية، الإستقرار، القانون....)، هكذا فكل دولة
تستند إلى مشروعية معينة وتهدف إلى تحقيق غايات محددة، لذلك يصعب الفصل بين الغاية
والمشروعية فيما يخص وجود الدولة، إن الدولة من حيث المبدأ تهدف إلى تنظيم حياة
الأفراد وضمان حقوقهم وحرياتهم بحيث يكون المواطن غاية في ذاته و الدولة مجرد
وسيلة لخدمته، لكن على مستوى الواقع نجد أن الدولة قد تصبح وسيلة لاستغلال المواطن
وإرهابه وإخضاعه بالقوة. لهذا نتساءل من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟ ولأي غاية وجدت الدولة ؟ هل بغاية ضمان
حقوق الأفراد أم انتهاكها ؟
فلاسفة العقد
الاجتماعي : (طوماس هوبز، جون جاك روسو، جون لوك، اسبينوزا)
يرى طوماس
هوبز أن الدولة نشأت نتيجة انتقال الانسان من حالة الطبيعة التي
تتسم الحرب و العنف و الفوضى والحرية المطلقة إلى حالة المجتمع أو الدولة التي
يسودها الأمن والسلم والقانون والعدالة ، حيث اتفق الناس بموجب عقد اجتماعي على
التنازل لحاكم قوي عن حريتهم المطلقة في التصرف واستخدام القوة مقابل ضمانه للسلم
والأمن، وبالتالي فمشروعية الدول مستمدة من التعاقد الاجتماعي، أما الغاية فهي
ضمان الأمن والسلم والاستقرار. وفي السياق تقريبا يرى اسبينوزا أن الغاية من وجود
الدولة ليست إرهاب الناس وإخضاعهم بالقوة، وإنما الغاية الحقيقة هي ضمان حقوق الأفراد وعلى رأسها الحرية، وذلك
بتحرير الفرد من كل مظاهر الخوف، وتمكينه بالتالي من ممارسة حقه الطبيعي في الحياة
والعمل دون أن يلحق أضرارا بالغير. ومشروعية الدولة حسب اسبينورا مستمدة من
الإرادة الجماعية للناس، أي من التعاقد بين الأفراد والذي يقتضي تنازل الفرد عن
حقه في أن يسلك كما يشاء. ومقابل هذا التنازل يتمتع بحرية كاملة في التعبير عن
آرائه وأفكاره، شريطة عدم القيام بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالدولة أو
المواطنين.
التصور الماركسي
:
يرى ماركس أن
الدولة ظهرت نتيجة التحول الاقتصادي الذي عرفه المجتمع وظهور الملكية الخاصة بدل
الملكية المشتركة وانقسام المجتمع إلى طبقات حيث فظهرت الدولة كوسيلة اتخذتها
الطبقة المالكة "الأسياد، النبلاء، البورجوازية" للحفاظ والدفاع عن
ملكيتها، ولكي تحقق ذلك، شرعت قوانين تمكنها من السيطرة على الطبقة التي لا تملك،
وبالتالي فالدول تفتقد للمشروعية؛ أي أن وجودها غير مشروع. لذلك ستزول الدولة
مستقبلا بعد انتصار البروليتارية على البورجوازية وتحقيق الاشتراكية وهدم
الرأسمالية وتأسيس الطريق نحو مجتمع مثالي وعادل يعيش فيه الناس ضمن طبقة واحدة،
وتختفي فيه الدولة وهو النظام الشيوعي
ماكس فيبر :
يحدد ماكس
فيبر ثلاث أنواع من المشروعية، تشكل أساس الأشكال المختلفة للدولة: فهناك المشروعية
التقليدية أي الحكم اعتمادا على التراث والعادات والتقاليد وحماية الماضي
والعادات واستلهام الأجداد (تقليد الأجداد)، وهناك المشروعية الكاريزمية
المرتبطة بشخص ملهم يتمتع بمزايا شخصية فائقة وبصفات خارقة تجعل منه زعيما متميزا،
وهي صفات تجعل الرعايا يتفانون تجاه القضايا التي يدعو إليها. وهناك المشروعية
القانونية المرتبطة بالتصور التعاقدي الحديث للمجتمع وللسلطة، حيث إن الدولة
الحديثة تعتمد على التمثيلية والانتخاب وسيادة القانون والمؤسسات وتوزيع السلط
ومبدأ الحرية والحق والواجب. ويؤكد فيبر أنه كلما بحثنا عن أسس مشروعية سلطة
الدولة فإننا نصادف دوما هذه الأشكال الثلاثة، وإن كان من النادر جدا مصادفتها، في
الواقع، في شكلها الخالص، بل غالبا ما يتم الجمع بين مشروعيتين أو أكثر.
خلاصة المحور:
يتضح من خلال
ما سلف ذكره أن مشروعية الدولة وغاياتها تضعنا أما العديد من التصورات الفلسفية ،
حيث يؤكد فلاسفة العقد الاجتماعي أن الدولة تستمد مشروعيتها من التعاقد الذي بموجبه
انتقل الناس من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع أو الدولة ،وأن الغاية من وجودها هي
ضمان حقوقهم وجعلهم يتمتعون بالأمن والحرية، في مقابل ذلك نجد التصور الماركسي الذي يؤكد أن الدولة وسيلة للسيطرة
على المواطن الضعيف، وبالتالي فلا مشروعية لها ما دامت أداة للاستغلال، لكن رغم الاختلافات
الموجودة في تحديد الغاية من وجود الدولة و الأسس التي تستمد منها مشروعيتها، تبقى
الدولة مؤسسة اجتماعية ابتكرها الإنسان لتنظيم علاقاته والارتقاء بحياته من مستوى الوجود
الطبيعي الغريزي إلى مستوى الحياة الانسانية المنظمة بالقوانين والتشريعات والتعاقدات.

تعليقات
إرسال تعليق