القائمة الرئيسية

الصفحات

المحور الثاني : طبيعة السلطة السياسية :

 

المحور الثاني : طبيعة السلطة السياسية :

مدخل إشكالي :

السلطة السياسية هي القدرة التي تمتلكها الدولة و التي تمكنها  من السيطرة على المواطنين و التحكم فيهم وتوجيه تصرفاتهم من خلال الاستعانة بمجموعة من الوسائل و المؤسسات، غير أن الدولة قد تمارس سلطتها بطريق مباشرة أو غير مباشرة، وقد تستند في ذلك على طرق قانونية وأخلاقية وإنسانية يكون الهدف منها خدمة المواطن، لكن في بعض الأحيان قد تسلك السلط السياسية منحى آخر وتستخدم طرق غير قانونية وغير أخلاقية مستعينة في ذلك بكل وسائل العنف والخداع والمكر... فما طبيعة السلطة السياسية؟ وما أشكال ممارستها ؟ هل تقوم على المكر والخداع أم على الأخلاق والقانون والديموقراطية؟ ما علاقة السياسة بالأخلاق ؟

نيكولا ميكيافيلي :

يؤكد ميكيافيلي أن مجال السياسة  هو مجال صراع مصالح متعارضة بين الأفراد والجماعات ولذلك فهو يرى أن رجل السياسة "الأمير" يلزمه أن يكون قويا وذكيا بل وماكرا يستخدم كل الوسائل المتاحة لديه المشروعة وغير المشروعة للتغلب على كل خصومه وأعدائه وبلوغ غاياته، إن عظمة الأمير لا تتأسس على الاستقامة والأمانة والوفاء بالعهود التي فيها ضياع لمصلحته، بل إن الأمراء العظماء لم يصبحوا كذلك إلا لأنهم لم يصونوا العهد إلا قليلا واعتمدوا على المكر والخداع والتأثير على عقول الناس بالتمويه والتضليل، ولذلك يدعو الأمير إلى المزاوجة بين طريقتين في القتال أو الصراع السياسي  الأولى تتأسس على القوانين والثانية على القوة، وعليه أن يكون في تصرفاته كالحيوان وأن يقلد الثعلب في ذكائه ومكره لكي يتجنب الفخاخ والأسد في قوته لكي يرهب الأعداء.

مونتيسكيو :

يرى الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو في كتابه "روح القوانين" أن السلطة السياسية يجب أن تبتعد عن التسلط والقوة والاستبداد وسلب الحرية مؤكدا في نفس الوقت أن السلطة السياسية لن تكون عادلة إلا إذا اعتمدت على مبدأ فصل السلط، ومن هذا المنطلق يميز بين ثلاث سلط أساسية للدولة : السلطة التشريعية أو البرلمان وهي التي تختص بسن القوانين التي تحدد الحقوق والواجبات وتنظم العلاقات الداخلية والخارجية للدولة، ثم السلطة القضائية التي تسهر على تطبيق القوانين والفصل في النزاعات بين المواطنين أو بين المواطنين والدولة، وأخيرا السلطة التنفيذية أو الحكومة وهي التي تقوم بتنفيذ القوانين والسهر على تحقيق الأمن، ويجب أن يكون تكامل وتناسق ومراقبة متبادلة بين هذه السلط دون أن تتدخل أحدها في اختصاصات الأخرى، ويضيف مونتيسكيو أن هذه السلط لا يجب أن تجتمع في يد شخص أو حاكم واحد لأنها ستحوله إلى طاغية مستبد مما سيهدد حرية وحقوق المواطنين واستقرار الدولة.

عبد الرحمان ابن خلدون :

إن علاقة السلطان بالرعية حسب ابن خلدون هي علاقة ملك بمملوكين. ولذلك يجب أن يتأسس هذا الملك على الجودة والصلاح. من هنا يجب أن يحقق السلطان لرعيته كل ما هو صالح لهم، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يلحق بهم السوء والضرر.ولذلك وجب أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق والاعتدال في التعامل. فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.انطلاقا من هذا حدد ابن خلدون خصلتين رئيسيتين يجب أن يتصف بهما رجل السياسة، وهما الرفق والاعتدال.

خلاصة المحور :

يتضح من خلال ما سبق أن محاولة تحديد طبيعة السلطة السياسية تضعنا أمام مواقف وتصورات متباينة حيث نجد أن مضمون القولة والتصور الميكيافيلي يؤكدان أن مجال السياسة لاعلاقة له بالأخلاق والقيم الإنسانية لأن ما يهم هو المحافظة على السلطة وضمان استمراريتها ومن هذا المنطلق على الحاكم أن يستعمل كل الوسائل المتاحة المشروعة واللامشروعة، وفي تصور معارض يؤكد مونتيسكيو على ضرورة فصل السلط السياسية لتجنب الاستبداد وضمان حقوق المواطنين، وعلى صعيد آخر يرى ابن خلدون أن السلطة السياسية تقوم على الرفق والاعتدال و الرفق بالرعية وتحقيق مصالحهم، لكن رغم هذا الاختلاف والتعدد في المواقف يبقى الرهان الأساسي هو أن نفهم مختلف الأشكال التي تمارس من خلالها السلطة السياسية الأخلاقي منها والغير أخلاقي الخفي منها والمعلن وأن نميز بين السياسة على المستوى النظري والسياسة كما تمارس في الواقع، ومن هنا يمكن القول أن السلطة السياسية ليست لها طبيعة واحدة بل تتخذ أشكالا متعددة وهي منفتحة على العديد من الاحتمالات وتختلف باختلاف الدول والأنظمة السياسية ولا يمكن اختزالها في شكل واحد.

تعليقات

التنقل السريع